مقالات الوعىالعلاقات الإنسانيةالحب › الحب.. داء أم دواء؟

الحب.. داء أم دواء؟

ينظر الكثير من الناضجين عمراً إلى تجارب الحب التي يمر بها المراهقون والشباب بعين الشك والارتياب؛ هذا إذا لم ينظروا إلى صاحب التجربة نفسه نظرة النقص والاستعلاء, والسبب في الغالب الأعم أن هؤلاء الناضجين عمراً – ليس بالضرورة أن يقترن النضوج العمري بالبلوغ العقلي- قد خلت حياتهم السابقة من خبرات مشابهة, أو أنهم نسوا تجاربهم السابقة عندما كانوا في أعمار مماثلة والتي جعلت السهاد يتلبّسهم في الليل والشجن يخالط قلوبهم في النهار؛ ولأني لست من الفئة المتعالية أو المتناسية, فإن كثيراً من الشباب والفتيات يطرقون بابي سائلين المساعدة في مشكلاتهم العاطفية, والتي أصعبها على الإطلاق هي انفكاك أحد الطرفين من رباط الحب, بينما يبقى الطرف الآخر مصراً على ألا يفنى الحب, وهو لا يعلم: أتراه يمر بحالة عطش تجعله يرى السراب ماء مثله كمثل السائر في صحراء قاحلة, أم أنه يعيش أملا يتراوح انخفاضاً أو ارتفاعاً وبلغة أهل الأسهم يتلوّن بالأحمر أو الأخضر, مع أن سهام الحب كلها مضرجة بالدماء أي حمراء في البدء والانتهاء, فاللون الأخضر هو لباس أهل الجنة, حيث هناك فقط يكون الحب سرمدياً وأبدياً وخالياً من كل شائبة.

لكن من تراه يصبر حتى يدخل الجنة في الآخرة ليعرف ما هو اخضرار الحب؟ إن الفراشة لا تألو جهدها مقتربة من الضوء حتى لو كان في ذلك احتراقها؛ وقد يتحول الاحتراق إلى إشراق إذا ترافق مع حساسية فريدة ووعي بالغ, ولكن للأسف فإن كثيرين يحترقون بنار المعاناة كالحطب فلا يبقى منه إلا الرماد أما المعادن النبيلة فإنها عندما تحترق وتتعرض لتجربة الانصهار تصبح ذات قدرة أكبر على الإبهار؛ والحب هو الشعور الذي يلامس القلب فينبض بدماء حارة تجعل الحياة متوقدة مبهرة مختلفة عن حياة الآخرين الروتينية الباردة, فمن ذا يستطيع مقاومة إغرائه؟!

أذكر أني كنت أقرأ في منتدى شبابي تجربة ذاتية كتبها أحدهم حول قصة حبه لزوجته قبل الزواج, فمن حجم التعليقات وكيفية انتظار الآخرين وترقبهم لاكتمال القصة, يسهل الاستنتاج عن مدى اهتمامهم بهذه العاطفة, فهي حاجة فطرية بشرية وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان, بل هو دائماً بحاجة للحب؛ وقد كنت أشرت في مقالة قديمة لي بعنوان (الحياة والحب.. الوالدة والولد) نشرتها الوطن بتاريخ 14/8/2004, أن الحب يعتبر معيباً في ثقافتنا نتيجة لفعل بعض الشعراء المجانين وعلى رأسهم قيس بن الملوح والذي شبب بليلى حتى زوّجها والدها بغيره, واستشهدت ببيت شعر رهيب من قصيدته التي أبدعها ليلة زفاف ليلى يسأل فيه زوجها عن علاقته الحميمية بها؛ وأما في الثقافة الغربية فقد انحسر مفهوم الحب لصالح متع الجنس, وربما كان لفرويد أثر كبير في هذا الانحسار فقد أنكره في بداية ممارسته ولم يعترف به إلا في نهاية حياته, ولكن بعد أن انتشرت نظرياته الجنسية وخربت العالم وجعلته خاوياً من معنى سام كالحب, وبالطبع انتقل الزبد إلينا دون ما ينفع الناس.

مشكلات ثلاث معروضة علي من ثلاثة شبان, متشابهة في الشكل الشامل وإن اختلفت في التفصيل, ومشكلات ثلاث معروضة علي من ثلاث فتيات كذلك تتشابه في الشمول وتختلف في التفاصيل؛ أما الشباب الثلاثة فكل واحد منهم وقع في غرام فتاة, لكن الأول اكتشف خيانتها بسهولة فائقة فتكسرت أحلامه على صخرة الواقع البائسة, وبرغم ذلك أبى أن يستسلم فصارحها بعلمه بخيانتها, وكان ردها بالاعتراف وأما عذرها فهي أنها تفتقده أحياناً كثيرة, فلا ترى بأسا في أن تتعاطف مع غيره مؤقتاً, واعترفت أيضا بخطئها, وأنها ستعمل على تغيير شخصيتها وأمهلها فترة من الزمن لكنه لم يلمس أي تطور أو تغير, وعاش حرباً بين عقله وقلبه الذي كانت قد استعمرته, وقد كانت مهمتي تتلخص في مساعدته على توجيه دفة السفينة باتجاه العقل, لأنه إذا كانت هذه البداية فالبدايات تدل على النهايات كما قيل, وهو قول صحيح إلا في الاستثناء, وأرجو أنه يستطيع بعقله أن يتجاوز هذه الأزمة, خاصة أن معرفته لها في البداية كانت عن طريق الانترنت قبل أن يلتقي بها, وباعتقادي أن من أسرع أنواع الحب تبخراً هو هذا النوع من الحب, لأن بدايته مبنية على الشك لا على الثقة, و(لا راءٍ كمن سمعا)؛ فالرؤية وحدها تمنح اليقين.

أما الشاب الثاني فقد عاش قصة حب أعمق وأطول وخاض غمارها بين جذب وشد ومد وجزر, وهذه هي بعض أوصاف حالات الحب, ومن راقب موج البحر يعرف مدى عمق وجه الشبه بينه وبين الحب؛ والمشكلة في تلك المحبوبة أنها تعاني من حالات عدم الثبات الانفعالي, فكل مرة هي على حال, وإذا كان لمد البحر وجزره علاقة بالقمر, فهل تراه الحب كذلك؟! هذه المرأة مرة توافق على الزواج منه, ومرة أخرى تتهرب منه, ومرة ثالثة تضع حججاً بأن أهلها غير موافقين, ورابعة تتودد إليه بل تغريه بطريقة ذكية أن يقع في ما هو أكثر من الحب, وهنا بالطبع يصدق قول عزيز مصر كما ورد في القرآن:(إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) علماً بأنه ليس من شريف الطباع في الرجل أن يكيد للمرأة, لأن الكيد يجب أن يبقى من اختصاص المرأة ما دامت هي الجنس الأضعف وما دامت لا تستطيع أن تطرق باب الرجل وتطلب يده مباشرة كما يحق للرجل, مع أن بعض الحالات المدروسة بينت أن بعض الرجال أقدر على الكيد من النساء, وأعني أقدر على الإيقاع بهن, خاصة وأن الرجل في أعمق أعماقه يتقمص نفسية الصياد, وقد حكى لي أحد معارفي الشباب أن فتاتين حاولتا معاكسته وصديقه, وبطريقة فجة, بالسؤال عن رقم هاتفيهما المحمول, فاستدار سائلا صديقه عن رأيه فكان رد صديقه فطريا جدا: لا أحب الصيد السهل!

وعودة إلى الشاب الثاني في ترتيب قصصنا عن الحب, فقد شغلته هذه المرأة حتى عن نفسه, وقد فسرتُ له السبب أن كونها ذات تجربة سابقة يجعلها أقوى حدساً من غيرها وبالتالي أقدر على معرفة نقاط ضعفه؛ ومع ذلك فإن المثل الفرنسي الذي يقول:(حدس المرأة أقوى من عقول عشرة رجال) قد لا يكون صحيحاً في حال بعض الرجال الذين لا يتقنون فتل حبال الصيد بل يتمتعون ببراءة الأطفال, ولكنهم يتصفون بحساسية عالية جدا وما على المرأة التي ترتبط بأحدهم إلا أن تكون عاقلة جدا فتتحمل مدهم وجزرهم اللذين كثيراً ما يكونا أعنف مرات ومرات من جزر ومد الأنثى؛ وبالنسبة لذلك الشاب فقد تأكد بنفسه من صحة كلامي, وحاول معها أن يكون لقاؤهما على سنة الله ورسوله لكنها سادرة في ترددها فتتأبى تارة وترغب تارة, وقد حزم أمره مؤخراً ليجعلها تختار بين طريق اللقاء أو الفراق, وكان آخر اتصال بيني وبينه منذ أسبوع صارحني أنه لم يعد يحتمل هذا المد والجزر, وأنه وضعها أمام خيارين إما الاستقرار وإما عدم الاستمرار, وما زلت بانتظار النهاية.

أما الشاب الثالث, فهو قريبي وقد أحب قريبته التي لم يكن يعرفها في طفولته, ولم يرها إلا فجأة أمام بصره أنثى كاملة كثمرة يانعة حان قطافها, فظن أنه كقريب أولى من الغريب, لكن تعنّت أبيها كان لقلبَيْ الحبيبين بالمرصاد, وكان هذا هو الحب الأول بالنسبة لذلك الفتى الذي شعر بخنجر قريبه يمتد نصله لينغرس في سويداء قلبه, ولكنه لم ييأس, وظل على علاقة مع فتاته بالرسائل القصيرة والمرسال وهو البريد الالكتروني, واستعمالي لهذه الكلمة لإعجابي بها من جهة ولأني أكتب مقالة عاطفية من جهة أخرى, مما يذكر بأغنية فيروز "يا مرسال المراسيل", إلا أن البعيد عن العين بعيد عن القلب – وهذه القاعدة لها استثناء عندما يكون الحب متأصلا في الروح متجذرا في ثناياها- فلم تعد الفتاة متجاوبة معه, ويبدو أنها قطعت الأمل بالحبيب الغائب والله وحده يعلم عذرها, أما الشاب فليس أمامه إلا الاستعانة بصديق هو أنا ليبثّني آلام روحه وأشجان قلبه, وكنت البارحة معه في مقهى على كورنيش جدة, فذكّره البحر بما يذكر كل العشاق, إلا أن ابني المراهق الصغير والذي لا يأبه بالحب بعدُ, بدّد ذكرياته بسخريته المريرة منه, مستغرباً من استعذابه لتعذيب نفسه, ومن تفاعله مع أغنية أم كلثوم وهي تصدح: أروح لمين؟ ولم يكن لي تعليق إلا:ويل للشجي من الخليّ!

هذه قصص الشباب الثلاثة أما الفتيات الثلاث, فكلهن في مرحلة السمكة التي تبحث عن صيادها, فإن أعجبها ولجت في شبكته, وإن لم يعجبها أحد عادت للسباحة مرة أخرى, وكلهن يسألنني من خلف حجاب النت عن مصير علاقاتهن العاطفية, وفيما إذا كان مناسباً لهن الزواج من هذا أو ذاك, وأنا العبدة الفقيرة لله أضحك من "غُلبي", فكيف لي أن أعلم المستقبل, ولذلك جوابي لهن هو جواب النبي عليه الصلاة والسلام كما في القرآن:(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء), ونصيحتي لهن ألا يرتبطن إلا بمن يثبت أنه أرجح عقلا منهن, وليس من يحبهن أكثر, فالرجل بحاجة إلى امرأة تحبه وأما المرأة فهي بحاجة إلى رجل يحتويها, ومع ذلك فدائماً وأبداً هناك لكل قاعدة استثناء, وقد تكون عاطفة الرجل الرومانسي متسقة مع عقل امرأة واقعية, وإن كان الدواء يختلط أحياناً أوان الجزر والمد فيصبح أمرّ من الداء!

الوطن السعودية 15/5/2006
الكاتب: دكتورة ليلى الأحدب
عدد المشاهدات: 1

التعليقات على الحب.. داء أم دواء؟ 0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
90823

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري