مقالات الوعىالصحة العقليةالتوازن فى الحياة › شريعتنا ومنهجية التوازن

شريعتنا ومنهجية التوازن

اختص الله عز وجل هذه الأمة بسمات وميزات، لم تكن لغيرها من الأمم السابقة عليها، وباتت عنوانًا تعرف به أمة الإسلام دون غيرها من الأمم.
ومن أهم هذه الميزات الوسطية والاعتدال، والتوازن الذي يشمل جميع مناشط الحياة دون استثناء، والذي يتسع ليعم حياة الإنسان كلها دون تمييز لفترة من عمره دون غيرها من الفترات، فهو توازن ممتد بطول الحياة، ولا يترك شيئًا من حياة الفرد إلا وأطرها وضبطها بهذا الإطار الحضاري الراقي، {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة:138].

والتوازن رديف الاعتدال وقرينه، ويعني التعامل بين طرفين متقابلين بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وعلى ذلك فإننا نقصد بالتوازن والاعتدال الوسطية وعدم الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير أو التطرف بأشكاله المتعددة الفكرية منها والعملية.

فالتوازن هو الاستقامة التي لا اعوجاج فيها، والسداد والمقاربة التي لا غلو فيها ولا تقصير، وهذه سمة الإسلام البارزة وطبيعته الدائمة، توازن قائم على العدل الملائم لفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

قال الطبري: (وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم أهل وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه كغلو النصارى الذين غلوا بالترهيب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه كاليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها) [جامع البيان في تأويل القران، القرطبي، (2/5)].

(فدين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين)، كما نص على ذلك الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى. [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم، ص(168)].

ومن خلال هذا المفهوم الوسطي، أُبعدت شخصية الأمة المسلمة، ومن ثم الفرد المسلم، الذي ينتمي لها على وجه الحقيقية، ويمتثل لهذا المنهج يقينًا عن الاختلال الذي لابد وأن ينجم عن الانجراف أو الميل إلى التطرف بصورة المتعددة.

وهذه الوسطية وذلك التوازن على درجة كبيرة من الأهمية في حياة الفرد ومنزلة الأمة على السواء، لأنه حين يطبع الشخصية بطابعه؛ يحقق لها التوازن ويبعدها عن الجنوح والغلو في كل جوانب النشاط الإنساني، فيحي الفرد حياة طيبة بعيدة عن الشقاء والفصام النكد الذي يصيب البشرية من حوله، فيما هو يحيى على نور من ربه، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122].

كما أن هذا المفهوم لابد منه في كل إنجاز حضاري يمكن أن تقدمه الأمة على مستوى البشرية، لأنه بدون هذه الوسطية وذلك الاعتدال ستضطرب سفينة المجتمع، وتضل الأمة طريقها ومنهجها وسمتها المميز الذي يجب أن تسير عليه، ومن ثم تفقد قدرتها على توصيل رسالتها الحضارية إلى بقية الأمم، ولهذا قرن الله عز وجل بين الأمة ووصفها بالوسطية في هذا النص القرآني وبين شهادتها على بقية الأمم.

والمتأمل في الأحكام الشرعية الإسلامية وقيمها سيقف على مظاهر تجسد التوازن والاعتدال في نواحي الحياة كلها، فهناك التوازن والاعتدال بين العمل والعبادة، دونما غلو في جانب وتفريط في أخر، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10].

وهو التوازن والاعتدال في الكسب والإنفاق، كما في قوله تعالى : {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29].
وهناك التوازن والاعتدال في توزيع وترتيب الوقت بين الحقوق والواجبات، فقد ورد عن أبي جحيفة السوائي أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.

فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال:نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال:نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك، فقال له: ((صدق سلمان)) [رواه الترمذي، (2596)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2413)].

(وفي الحديث زيارة الصديق ودخول داره في غيبته والإفطار للضيف وكراهية التشدد في العبادة وأن الأفضل التوسط) [عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، (32/342)].

وهناك التوازن بين إعمار الكون وطلب الآخرة والحرص عليها، كما قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، قال السعدي في تفسيره أي: (قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند الله، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك) [تفسير السعدي، ص(623)].

وهو  كذلك توازن ووسطية بين المطالب الروحية والعبودية وحاجة الجسد والنفس، فعن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر،وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) [متفق عليه، البخاري، (563)، ومسلم، (3469)].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: (المراد بالسنة الطريقة، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا الشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.

والحق, كما يقول الحافظ, أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطع المنهي عنه، ويرد عليه صريح قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط) [فتح الباري، ابن حجر، (9/105)].

وإن مما يملأ القلب همًّا اليوم هو أن مسلمين كثر فقدوا هذه المفاهيم، وتنازلوا عن هذه القيم الحضارية على صعيد حياتهم كلها، فلم يستطيعوا التوازن والاعتدال، وقد ترك ذلك كله بصماته على الأمة، فما عادت قادرة على أداء دورها الحضاري والشهادة على بقية الأمم، كما يقول صاحب الظلال: (وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة، ليست هي التي اختارها الله لها). [في ظلال القران، سيد قطب، (1/131)].

الكاتب: عصام زيدان
عدد المشاهدات: 2

التعليقات على شريعتنا ومنهجية التوازن0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
96917

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري