مقالات الوعىأبحاث وآراءالتنمية البشرية › الدورات التدريبيبة الحقيقية في تطوير الذات

الدورات التدريبيبة الحقيقية في تطوير الذات

قُدِّر لي وحضرت عدة دورات تدريبية في تطوير الذات ألقاها محاضرون من خارج المملكة العربية السعودية, وكانت هذه الدورات مكثّفة بحيث لا تتجاوز إحداها ثلاث ساعات بعد استقطاع أوقات صلاتي المغرب والعِشاء ووجبة العَشاء الخفيفة مما يجعلها مُكلفةً مادياً إذا قارنّا الوقت بالثمن, إضافةً إلى افتقارها للترابط النظري مع الواقع العملي للمجتمع السعودي وذلك لأن أفكارها مستمدة من كتب ومراجع غربية ذات ثقافة مختلفة دون تطويعها لتكون مناسبةً لثقافتنا, ومع أن المحاضر كان خليجياً على الأغلب لكن ليس من لازم الساحل كمن خاض لجة اليم؛ ورغم كل ما سبق فقد كانت نسبة الإقبال على تلك الدورات ملحوظةً, وما ذاك برأيي إلا لحاجة الإنسان إلى الاجتماع مع الآخرين بأي شكل من الأشكال حتى لو كان في قاعة محاضرة, ناهيك عن رغبة المتلقي في تطوير ذاته فعلاً وإن كان كثيراً لا يخرج من الدورة بكبير فائدة اللهم إلا انشراح الصدر نتيجة لاستمتاعه بالأداء المسرحي للمحاضر الذي يجب أن يتصف بقدرات تمثيلية عالية كي يستقطب اهتمام الحاضرين, وهذا ليس قدحاً في المحاضرين الأفاضل إنما قد يكون دلالةً على أن المسرح من أهم وسائل عقد الصلة بين الفكرة والإنسان كما أنه أكثر أساليب إثارة التفاعل بين المُلقي والمتلقي, وإذا كان المسرح السعودي غير حاضر بوضوح في ثقافة المجتمع كما هو في البلاد العربية الأخرى, فليس ذلك مدعاة للأسف, والواجب يحتّم الاستفادة من تجارب الآخرين الخاطئة لا تكرارها, فقد تحولت أغلب المسارح العربية إلى الهزل والهزال من خلال مواقف الإضحاك المصطنعة وإلقاء النكات المطلية بصباغ جنسي معلن أو مبطن, ولذلك يقدِّر المرء للممثلين عبد الله السدحان وناصر القصبي مثابرتهما على إضحاكنا بكوميدياهما المحببة وإن اتشحت بالسواد أحياناً, فالقلوب في حاجة إلى الضحك والانشراح ونحن مأمورون بالترويح عنها كي لا تنشأ في النفس معاناة فصامية بين الدين والدنيا, كحالة من يعارض هذا النوع من الفن في الوقت الذي يدفن نوازع الرغبة به في أعماقه, ومن الأفضل أن نجد مخرجاً للفنانَيْن القديريْن من الحرج الذي قد يشوب بعض الحلقات بدل المسارعة إلى إخراجهما من الدين والملة.

وعوداً إلى الدورات التدريبية فإن الفائدة منها لا تتعدى اللحظة, إذ يزول أثرها بمجرد زوال المرح أو الانتعاش الناجم عن الاجتماع الإنساني عندما يتشارك الحاضرون في الكثير من بهجة المتعة ولكن في القليل من قيمة الفائدة, لذا لا بد من المتابعة بقراءة كتب في علم النفس والتطوير الذاتي حسب مقدرة القارئ على الفهم والاستيعاب, وإن كانت الخطوة الأهم هي الوصول إلى مرحلة معينة من الاستبصار, وهو أمر غير ممكن إلا لمن وهبه الله شيئا من الوعي أو الإدراك الذاتي, وهنا أذكر أن أحد المحاضرين في دورة عن الذكاء العاطفي صال وجال في معنى هذا النوع من الذكاء وأبجدياته ووسائله وتمييزه عن غيره من أنواع الذكاء, لكن لاقتناعي أن كل هذه الأمور في كفة ووجود الوعي في كفة أخرى, لم أتردد في المشاركة بهذه الفكرة, وعندما قلَّبت أوراق ملخص المحاضرة التي أُعطيت لنا في نهايتها, وجدت أن المحاضر وضع الوعي كأهم بند في الذكاء بكافة أنواعه لكنه نسي الإشارة إليه في خضمّ مسرحيته الجميلة التي أتحف الحاضرين بها.

من أين نأتي بالقدرة على الاستبصار الذاتي؟ برأيي أنه لا يمكن تحصيل هذا النوع من القدرة إلا بمتابعة ومصارحة ومكاشفة للنفس, فكلمة الاستبصار تحوي في مضمونها نوعاً مختلفاً من الإبصار لا يتمّ ما لم يوجد في عمق النفس ضوء ومرايا نظيفة عاكسة ليتم اكتشاف ما ترسب في قعر العوالم الداخلية من كوامن الدوافع والانفعالات والتي كثيراً ما تتحكم بالإدراك والتفكير والسلوك, وبذلك يمكن التقاط نقطة الالتقاء بين العقل اللاواعي والعقل الواعي وهذا الالتقاط هو أساس معرفة الذات. ويصف العالم النفسي يونج الوصول إلى هذه النقطة بأنه تحقيق سلام العقل بعد ما يكون قد حدث صراعات طويلة وغير مثمرة, ويبين أنه عالج مئات من المرضى, فلم يجد مريضاً واحداً إلا وأساس مشكلته هو افتقاده الإيمان الذي يمنح الشعور بالأمان. ويؤكد وليم جيمس فكرة يونج نفسها إذ يمكن الوصول إلى هذا السلام دينياً عبر ما يسمى الخبرات النُسكية, فالإيمان هو أعظم علاج للقلق برأي جيمس, والدين هو إحدى الطرق لحصول السلام العقلي, حيث أن علاج النقص الداخلي وتقليل النزاع النفسي هي عملية سيكولوجية عامة ولذا يمكن تحقيقها بأي نوع من النشاط العقلي, ومع ذلك فإن الراحة النفسية التي تنجم عن الخيارات العقلية ليست على النحو العظيم الذي يوجد في حالة الشكل الديني, وفي نفس الوقت يعتقد جيمس أن الحالات النسكية لا يمكن مؤازرتها لمدة طويلة, فباستثناء حالات نادرة فإنها لا تكاد تستمر أكثر من نصف ساعة وعلى الأكثر ساعة أو ساعتين بعدها تذوب في حر مشاغل اليوم, وهي غالبا عندما تذوي فإن نوعيتها لا يمكن استعادة إنتاجها على نفس النحو من الكمال في الذاكرة, ولكنها عندما تعود إلى الحدوث مرة أخرى فإن المرء يتذكرها من جديد, ومن مرة وقوع إلى مرة وقوع أخرى فإنها تكون قابلة لأن تتطور باستمرار فيما يمكن الإحساس به كثراء وأهمية داخلية.

ما الذي يمكن استخلاصه من قناعات يونج وجيمس؟ نحن كمسلمين لدينا آفاق إيمانية رحبة نحلّق بها حسب الزمان والمكان, فالإيمان يزداد بالطاعة كما ينقص بالمعصية, وبالتالي فإن من ثمار الطاعات تحقيق السلام العقلي والطمأنينة النفسية, وحقيقة أن هذه الحالات تذوي كما قال جيمس مع توغلنا في أعمالنا اليومية لا يمنع أن تجديدها سهل ما دامت المنابع الروحية لا تنفذ والإضاءات النورانية لا تنقطع, وبما أننا في شهر الصيام, فهانحن لدينا دورة تدريبية لمدة ثلاثين يوماً لنخفف من أعبائنا الدنيوية ولننطلق من أسر قيود الجسد, لكن لماذا تحول رمضان إلى هوس بالبطن وكأننا غيّرنا مواعيد طعامنا فقط إذ ننفق على موائدنا في رمضان ما ننفقه في ثلاثة أشهر من السنة؟ ولم أصبح اسم رمضان مصحوباً بليالي وسهرات رمضانية ما أنزل الله بها من سلطان؟!

أرجو أن لا يجد بعض الذين يستهويهم الفهم الخاطئ والظن السيئ - ممن "تزيّن" رسائلهم صندوقي الالكتروني دائماً بعد كل مقالة - مأخذاً على كلامي هذا بأنه يناقض متابعتي لحلقات مسلسل (طاش ما طاش), فأنا في الوقت الذي لا أمنع أولادي من متابعة الفن الذي لا يشوه فطرتهم ولا يلغي البراءة من نفوسهم فإني أحثهم بفضل الله على الصلاة وخاصة صلاة التراويح الجماعية, ومفهوم الصلاة أشرحه لطفلي بمجرد بلوغه العاشرة من العمر, وأقرِّب له المثل بحاجة جسده للطعام ليكبر, فكذلك حاجة الروح للصلاة لتنمو, فالصلاة صلة الروح بمصدرها الأصلي ألا وهو الله (ونفخت فيه من روحي) فهي صلة العبد بالله, وهي الدورة التدريبية اليومية والتي يكررها المسلم خمس مرات في اليوم, فإن أحسن وضوءها وقيامها وركوعها وسجودها كانت كنهر يغتسل به المرء خمس مرات يوميا, كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام فلا تبقي من الإثم شيئاً, وإذا كانت بهذا الشكل الأمثل فإنها لا تبقي من درن النفس شيئاً أي أنها تكنس الغبار المتراكم في ثنايا النفس وتلمِّع المرايا العاكسة في زواياها فيظهر الضوء الداخلي براقاً وتشف المعاني النفسية ساميةً, وخاصةً إذا ما أتبعت الصلاة بالدعاء والتضرع مع التلبس بحالة العبودية والتذلل للخالق القادر الرحيم كما قال ابن عطاء السكندري رحمه الله:(خير أوقاتك وقت تشهد فيه فاقتك) أي حاجتك لله.

الصلاة الخاشعة تمنح إلى جانب الهدوء النفسي نوعاً من التركيز, فإذا استصحبنا هذه الصفة خمس مرات في اليوم, فلا بد أن استصحابها في أعمالنا الأخرى سيكون أفضل وأسهل, كما أن لها دوراً واضحاً في الصبر ولذلك ربط الله بين الصبر والصلاة الخاشعة في أكثر من آية:(واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين), وصلاة الجماعة تساهم في اقتراب المؤمنين ورحمتهم لبعضهم بعضاً, وما يصدق على الصلاة هنا يصدق على الصيام والزكاة والحج, فكلها دورات تدريبية تخلصنا من آفات النفسية السلبية وتغنينا بالصفات الإيجابية كالشعور بآلام الآخرين والرحمة لهم والوقاية من الشح والطمع والأثرة, وأوقات الطاعات هي بنص الحديث الشريف نفحات من الله نُصحنا بالتعرض لها, ولكن كم من مصلٍّ ليس له من صلاته إلا الخفض والرفع, وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش!

توضح الآية الكريمة:(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) أن المقصود بالحياة الطيبة هي تلك التي يتنعم بها الإنسان في الدنيا, وهذا التنعم الدنيوي ممكن فقط عندما تؤتي عباداتنا أكلها من رضا نفسي وسكينة روحية ونفعٍ لبني البشر مما يرقى بنا في مدارج النفس المطمئنة وإلى معارج المعرفة الحقيقية بالله والأنس به سبحانه, أما إذا لم نقطف ثمار عباداتنا فلنعد ولنشحن بطارياتنا جيداً دون يأس, ومن أدام وأدمن قرع الباب أوشك أن يلج.

الوطن السعودية 30/10/2004

الكاتب: دكتورة ليلى الأحدب
عدد المشاهدات: 3

التعليقات على الدورات التدريبيبة الحقيقية في تطوير الذات0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
23819

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري