مقالات الوعىالصحة العقليةالحزن والحرمان › الحزن ظاهرة طبيعية والمساعدة النفسية تخفف آثاره

الحزن ظاهرة طبيعية والمساعدة النفسية تخفف آثاره

اختلطت الدموع بضحكتها العميقة، حتى إن سيل الدموع دخل فمها، فتحسست ملوحة الدمع في فمها. كم هو مؤلم أن تفارق.. هل هناك اسم نفسي لمرض ألم الفراق؟، غريبة جدا أن تختلط الأحاسيس والانفعالات على هذا الشكل، وبهذا الموقف بالذات. هل فقدت توازنها النفسي؟، كانت "سحر" تريد دوما أن تحافظ على انفعالاتها، ولا تريد البكاء أمام الآخرين. كانت أمها لا تشجعها بالطفولة أن تبكي، وهي لم تر أمها قط باكية. رغم معاناتها وانفعالاتها كانت تحاول أن تكون كأمها. على الرغم من أنها كانت سابقا تشكو لصديقتها قساوة أمها التي لا تبكي أبدا.
كان زوج سحر أقل تأثرا أو هكذا يبدو، فهو لا يبكي أمامها إلا قليلا كذلك. وأكثر من هذا كان يغادر الغرفة ويصمت تماما، ويشغل نفسه بالتلفزيون أو الجريدة، أو يترك الغرفة إذا بكت سحر. بدلا من أن يحضنها أو يبقى معها على الأقل. كان يؤلمها ذلك. والأكثر إيلاما أن زوجها كان يطلب منه التوقف عن البكاء، وأن تذكر الله وتخافه..، وهي العابدة المؤمنة المحتسبة..!
سبب البكاء أنها كانت تبحث تحت السرير عن شيء، ووجدت قصاصة بها علك يابس، هذه القصاصة لابنها "حمودي". كانت تخاصمه بحب وحنان ألا يفعل هذا ويرمي العلك مرة واحدة، ولا يترك شيئا تحت السرير. أين هو الآن ؟، فليجعل السرير كله علكاً..
"حمودي" لم يعد في عالمنا بعد مرض قصير والحمد لله وحده..، ولا يعرفون هل مات بسبب تقصير الأطباء أم إن مرضه غريب..؟. المهم أنه انتقل من أشهر قليلة إلى رحمة ربه، ولم يكمل السبع سنين بعد. كان البيت كله له، وكلامه وضحكاته تملأ البيت. لكن الصدى ما زال في ذاكرة الأم في أعماق القلب.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
كلما بكت "سحر" بدا اللوم ينهار عليها من الأقارب..لا تعرف كيف ترد، وأحيانا قليلة تنفجر في وجوههم- أو صخورهم-!، كيف تبكين..؟، أليس عندك إيمان بالله وقضائه؟، هكذا اللوم يأتيها من الأهل والأصدقاء- بعضهم.
بدأت "سحر" تختفي عن الأنظار. تبكي لوحدها.. قل اهتمامها بنفسها، وعملها تأثر كذلك. كانت أحيانا تنتظر لحظات الخلوة بنفسها لتبكي. أصبحت هذه لحظات الالتقاء بحمودي عبر البكاء. "سحر" امرأة متدينة صابرة، لكن الحزن حزن.
كانت "سحر" تعاني من أقاويل الناس، وعدم تفهمهم للحزن. من الناحية النفسية السلوكية الحزن أنواع وألوان لأسباب مختلفة وبدرجات متباينة كذلك، وأكثر من هذا فإن الفروق الفردية- اختلاف الناس فيما بينهم- يجعل هناك أكثر من حزن واحد. لكن هل إذا حزن الشخص على موت عزيز يدل على قلة إيمان هذا الشخص؟
كيف ننسى أن الأنبياء عليهم السلام حزنوا وبكوا "وابيضت عيناه من الحزن" حتى لمجرد الفراق ليس الموت؟. هل هناك من يشك في إيمان وتسليم الأنبياء (عليهم السلام) بقضاء الله وقدره؟، السلوك البشري في ما يخص الحزن متلون من جهة، ومتشابه من جهة أخرى، فالكل يحزن بدرجات مختلفة. البعض القليل جدا لا يحزن لفراق أو الموت.
يحدث الحزن لدى الإنسان. بغض النظر عن موضوع الحزن، فيحزن الشخص لفقد عزيز وكل على طريقته..، والبكاء عامل مشترك.
أبحاث علم النفس العيادي توضح أن الفروق الفردية كمفهوم نفسي مهمة جدا لتفهم اختلاف ردة فعل الناس لموت العزيز أو القريب. ليس عيبا ولا ضعفا في الرجل ولا المرأة أن يحزن الشخص لفقد العزيز. الأكثر أهمية هو أن نرى السلوك هذا من منظار زمني كذلك. بمعنى أن البكاء والحزن في السنة الأولى مثلا وفي المناسبات التي تذكر الشخص بالمفقود- هذه المرحلة طبيعية جدا.
صعب علينا أن نحدد يوما محددا ينتهي به الحزن. لكن الزمن يخفف كثيرا من آهات البشر وأحزانهم، حتى يصبح ممكنا التعايش معها. لا نستغرب إذا كان حزن بعض الأمهات والآباء مثلا لعقود لاحقة على فقد الولد أو القريب، لكن المهم أنهم بدأوا التعايش مع الحزن، وهذا ما نحاول أن نعمله بالعيادة النفسية، مستخدمين الأساليب النفسية السلوكية مع الناس الذين يعانون من الحزن الشديد ولسنين طويلة، حيث نحاول تسهيل وتحسين معايشتهم مع الحزن.
من ناحية أخرى ربما لو شاء الله سبحانه وتعالى وكانت "سحر" قادرة على البكاء كثيرا في الفترة المباشرة على فقد ولدها، لاستطاعت أن تتكيف أكثر الآن. فالأبحاث النفسية تشير إلى أن التعبير الانفعالي المناسب في الوقت المناسب يساعد هذا على التكيف بالمراحل التالية. كذلك القدرة على التحدث عن المفقود يساعدها على الشعور بأن انفعالاتها طبيعية، وأنها ليست على وشك أن تفقد السيطرة على نفسها، أو أنها سوف تتعرض للجنون.
كانت "سحر" تعاني من رعب لا يوصف كذلك من أن حمودي (يزعل) معها إذا لم تعبر عن مشاعرها. كانت تحدث نفسها بلا لغة منطوقة ولا مباشرة أنه عليها الوفاء لذكرى الفقيد- هذا الوفاء يأتي على شكل صور وسلوكيات مختلفة منها الحزن والبكاء. وكان يضايقها جدا كون الآخرين يطلبون منها ألا تبكي- فهي لا تريد ألا تفي بذكر الفقيد كما تراه هي. كان البكاء طبيعيا الآن في هذه الأشهر الأولى من فقد ولدها، ولا حاجة لتسميته باضطرابات أو أمراض.
كان يجب تقديم المساعدة النفسية لها لتأكيد طبيعية الحزن والبكاء الآن، وتعليم الزوج والأهل بذلك، وأنها سيدة مؤمنة محتسبة عند الكريم. أراحها كثيرا هذا التفهم النفسي، وتغيرت نظرة الزوج وبدا يعبر عن حزنه بدرجة أحسن..كانت سعادتها بذلك كبيرة بفضله تعالى.

-------------------------------------------------------------------------

أسئلة حائرة:

تركتني صديقتي

* عمري 19 سنة وفشلت العام الماضي في اختبار الثانوية. أهلي يساعدونني كثيرا، وليس لدي مشاكل بالبيت والحمد لله. لكن السنة الماضية مررت بأزمة كبيرة جدا أثرت على دراستي، فقد تركتني صديقتي الوحيدة والقريبة جدا مني، ولا أعرف السبب. زعلت كثيرا واكتأبت، وحاولت الانتحار، وفشلت حتى في الانتحار. أنا أصلا فاشلة، فهل أعاني من مرض نفسي؟.
منى - جدة.
ـ مراحل النمو لا تخلو من إيجابيات وصعوبات. يتعلم الإنسان- رجلا أو امرأة- منها الكثير، ونسبة كبيرة من صعوبات النمو النفسية والسلوكية لا تخص فردا بعينه. بل يشترك بها مع الآخرين.
من الطبيعي أن تتعلق البنت مع بنت أخرى انفعاليا ونفسيا، وتصبح البنت الثانية محورا لحياتها، وتعتقد بأن الحياة بدونها جحيم، ولو سألت القريبات منك اللاتي هن الآن في الثلاثينات أو الأربعينات من عمرهن سيذكرن قصصا مشابهة من ناحية تعلقهن - أو بنات جيلهن- ببعضهن. لكن لا ننسى أن الفروق الفردية تحتم درجات مختلفة من التعلق والانفعالات. بعد مرحلة ما سيصل الوضع إلى الطبيعي، وتسير قافلة الحياة لتبدأ مرحلة حياتية جديدة من الزواج والإنجاب...إلخ.
عندما تصل الدرجة إلى محاولة الانتحار، فهنا تبدأ نواقيس الاهتمام والخطر تدق. يجب أن ترين أن هذه المحاولة مؤشر نفسي على تركيبتك النفسية. هل أنت تميلين إلى التسرع بالأمور، وأنك لا تتحملين الألم النفسي؟. هذه بعض الأسئلة التي تخصك أنت.
تتعلمين من هذه التجربة أنك ربما تجدين صعوبة في التكيف مع الأزمات. إضافة إلى أنك يجب أن تحاولي النظر إلى الأمور بمنظور زمني ومراقبة تسلسل الأحداث وأثرها عليك. أي إنك يجب تعلمي أن الألم النفسي ليس أبديا إطلاقا. بل سيخف مع الزمن، وإن كانت المعاناة الآن كبيرة جدا لا تطاق، وأكثر من هذا يجب أن نتعلم كيف نتأقلم مع الضغوط الحالية، ونبحث عن الأمور التي تريح كل واحد منا بطريقته الخاصة- بشرط أن تكون مشروعة وصحية. فلا يجب أن نتكيف مع الضغوط الرهيبة بأساليب سندفع ثمنها غاليا وأكثر من الضغوط الأصلية!
مشاركة القريبين الذين تثقين بهم ستساعدك بإذنه تعالى. من هذه الخبرة أيضا تتعلمين أنه يمكنك أن تصاحبي وتنوعي عدد الصديقات والزميلات، لكي لا تضعي البيض كله في سلة واحدة، وتكون الخسارة حينئذ كبيرة.

الكاتب: موفق العيثان -استشاري علم النفس العيادي والعصبي - " الوطن"
عدد المشاهدات: 2

التعليقات على الحزن ظاهرة طبيعية والمساعدة النفسية تخفف آثاره0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
839

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري